الخميس، 3 أغسطس، 2017

قصصٌ لأبي


صباح الخير أيّها الجميل،
لا من مناسبة محددة بالأيام تجعلني أكتب لك اليوم. غير أني استقيظت مع شعور جديد من الشّوق، لم أختبره من قبل. هو مؤلم بكل الأحوال، لكنه على الأقل يستدعي الكتابة.
بالإضافة إلى أمريْن أردت إخباركما بهما، على أمل أن لا تغضب مني يا ابن البحر.

المهم، قبل شهر تقريبًا، وبعد مرور ثلاثة شهور على انتقالي إلى برلين، كانت أسماء هنا. كنا نبحث عن مكان نأكل به. مررنا بجانب مطعم سمك تركيّ. كنت مشتاقة لسمك المتوسط كثيرًا عندها. أوكي، أنا مشتاقة للسمك دائمًا حتى وإن عشت بجانب شاطئ البحر. قررنا أنا وأسماء أن نجرب السّمك في هذا المطعم، لكننا تأكدنا قبل طلب أي وجبة بأن السّمك قادم من المتوسط، وكان كذلك.

الأمر الثّاني يا أستاذي هو بأني ذهبت قبل أيام مع أصدقاء وصديقات إلى رحلة قارب في إحدى بحيرات برلين. لم أجهز نفسي للسباحة عندها، أنا لا أحبّ أن أعوم في أي جسم مائيّ عدا عن البحر، وبالأساس المتوسط، كل البحار الأخرى تافهة بالنسبة لي. أخبرت أصدقائي بذلك. لكن مع ارتفاع درجة الحرارة واقتراب الشّمس من جلدي، قررت أن أجرب هذه المرة أن أنزل إلى الماء وأعوم قليلًا. لم تكن المياة كما بحيرة طبريا بالطبع. سبحت لدقائق معدودة، وكانت قد سمعت الأعشاب التي في البحر صراخي بأني أكرهها.

في كلا القصتيْن كنت حاضرًا جدًا. في الأولى، لأن صدى صوتك الذي حذّرني لسنوات طويلة أن لا آكل سمكًا بمدينة ليست على البحر، وفعلتها للمرة الأولى ربما. وفي القصّة الثانيّة لأني كلما اقتربت إلى حافة القارب والحديد الذي يحيطه، تذكرت ألعابك مع القوارب والبحر، هو الذي لم يخيب ظنك أبدًا. وتذكرت هذه الصّورة.

أبي، وصلتني رسالة هذا الصّباح من صديق تونسيّ، عاتبني بصدق لأني لم أطمئن عليه منذ فترات طويلة. لكنه، كما كل أبناء البحر، قلبه يتسع لكل أحزان الدّنيا، لكنهم دائمًا سيجدون متسعًا للحبّ. فأرسل لي أغنية تحمل الاسم "يا موج البحر"، وقال لي في رسالته: "الأغنية عن فتاة تعيش في الصحراء، ولكنها تغني للبحر. أنا من الناس الذين يعرفون تعلقك بالبحر، وأظن أن عطشك للبحر وخاصة بحر عكّا، جعلني مدفوعًا برغبة جامحة منذ مدة طويلة في أن أكتب إليك.".

صديقي، الذي يُرسل لي أغاني دائمًا باللهجة التونسيّة، يُرفق معاني الكلمات دومًا، ولم يبخل بذلك هذه المرة أيضًا. فتقول الأغنية:
يا نحيب القلب يا عيني السكيبة ** من فراع الليل في دقاته دبك
القلب ما يحساب الفرقة قريبة ** ما يحساب الوقت يا عيني يفك
الحاصل ها الأيام لا صعيبة ** حتى الوقت خان ومعاك إشترك
الحاصل يا الأيام كل حد ونصيبه ** الحلو يدوم يدوم ويعد بالمر


الحلو يدوم يا بابا، ورح يعدي المرّ.
ما زعلت مني، ها؟
اشتقتلّك. صباحك خير.

الأربعاء، 15 مارس، 2017

تفاصيل تافهة


الصّور اللي بتبقى لما يغيبوا وجوه أصحابها للأبد.
الأصوات اللي مسجّلة لما تنعدم فرصة نسمعها من جديد عَ الحقيقة.
 الذّاكرة اللي بترجع عَ بالك، لما بيخف الشّغل اليوميّ، اللي ولا ممكن ترجع تبني ذاكرة ثانيّة، حتّى لوّ مختلفة، مع نفس النّاس اللي كانوا فيها.
الأيام، الأشهر، السّنوات اللي بتروح، بس بأرقامها، اللي بنفعش تتكرر.
 وجوهنا، أحاديثنا، اللي لما نرجع نطلّ عليها من شي شباك حمّاه التكنولوجيا، ومنحس إنهن ملامح وأصوات آخرين، ما بشبهونا.
 خطوط الإيدين اللي كتبت إهداءات على الكتب، واللي بعثت بشي يوم رسائل، اختفت مع الأجساد اللي تحوّلت لتراب، أو حتّى، ببساطة صارت كالمسافر اللي طرقكم ما راح ترجع تلتقي، لمجرد اختيار أو لأنه هيك صار بالدّنيا.
 الشّوارع اللي فاضية من وجوه مرقت فيها، الأحياء اللي ما رح يمرق منها ناس منحبّها، ولا حد ينادي عليهن من الجيران، المقاهي اللي كل سهرات الأغاني بآخر الليلة، في صوت مش رح يغنّي فيها.
 الأماكن، المدن والبلاد اللي بطل ينفع تزورها، مش لأنه بدكش، لأنك ممنوع أو لأنها تدمرت أو في حارس غريب وقف على بابها.
 مرات، بلحظات صغيرة تافهة، بلحظات بتحسها حقيقيّة بس بعد شوي تافهة، بتكون كلّها أرحم من غيابك عن تفاصيل اليوم اللي يمكن كل شي عملته فيه، إنّي شربت فنجان قهوة على بلكون بيطلّ على عمارة مغطي عليّ السّما، وجاي عَ بالي أشكيلك إنه العمارة مسكرة على قلبي وأفوت أنام.
ראש הטופס
ראש הטופס

السبت، 14 يناير، 2017

وين غلاية القهوة؟

طلبت أمي مني بالأمس، أنّ أجهز قهوة. سألتها: "وين غلاية القهوة؟"، أجابتني: "يعني مش عارفة وين بحط غلايات القهوة؟". فقلت لها: "يا إمي، ما أنا مش عايشة هون، فممكن إنك غيّرتي مكانها..".. فذهبت فورًا إلى الخزانة التي أعرفها. بعد صمت قصير قالت: "بعرف إنّك مش عايشة هون، بس بحبش تقولي هيك.."
أثناء تجهيزي للقهوة، كنت أفكر بما قالته أمي.. وقلت لنفسي: "أنا مثلها، أرفض حقيقة أن كثيرين لا يعيشون معي في نفس المكان، لكنهم يعيشون معي جميعًا.. يعرفون أين توضع كؤوس النبيذ، فناجين القهوة، زجاجة العرق، أين تقع زاويتي المفضّلة للكتابة.. كلهم يعيشون في تفاصيل حياتي اليوميّة، رغم غيابهم، الاختياري أو القسري.. أو حتى، رغم أنهم لم يمرّوا يومًا على بيتي أو أي بيت مؤقت أعيش فيه. لكني أحضرتهم إليه في الخيال.. وصنعوا الواقع أجمل".

الأربعاء، 11 يناير، 2017

قصص الحبّ

كلّ قصص الحبّ، بلا علاقة لمدتها الزّمنيّة، تبدأ بالأغاني، وتنتهي بعواء كائن، خلقته النهايات داخلك؛ له وجه يشبهك وأسنان ذئب وجد فريسته للتوّ، فريسة تشبه قلبك.. عواء الذّئب ينهم القلب، الذي يبقى على حجمه تمامًا، ولا يتوقف عن عشق الأغاني.

الثلاثاء، 10 يناير، 2017

البيوت القديمة

أختي من يومين، وهي بتطلّ من شباك بيتنا في شارع كان اسمه "شارع الحمير" بحيفا، بتقولي: "رشا، بتعرفي إنه بيتنا القديم (اللي موجود بشارع تحت شارع الحمير)، منقدر نشوفه من هون؟ هياه السّطح، وشباك المطبخ".. قلتلها: "بعرف".. مع إنّه، عمليًا، من لما سكنت بهالبيت، وكل ما أطلّ من الشّباك.. ما بنتبه إنه بيتنا القديم بنشاف من بيتنا الجديد.. بس قلتلها بعرف، لأنه متأكدة إنه هاي التفصيلة مثل كل قصص حياتي، كلما "أعيش ببيت جديد"، دايمًا.. دايمًا.. في "شباك فيه/ شباك بقلبي.. بيطلّ على تفصيلة من تفاصيل البيوت القديمة.. اللي عشت فيها وقت كتير، أو مرقت عليها.. أو حتّى تخيّلتها.."، والبيوت، إحنا.

الجمعة، 23 ديسمبر، 2016

عزيزي سانتا

عزيزي سانتا،
سأحكي لك قصّة: بعد ظهر اليوم، قررت النوم في قيلولة قليلًا، خطوة لا يقوم بها عادة من يخافون استراحة نوم النّهار، خوفًا من أن يعكّر هذا النّوم مزاجهم أكثر. لكني كنت متعبة، أو أردت الهروب بعض الشّيّ، فأحضرت غطاءً دافئًا من غرفتي، ونمت على كنبتي الخضراء.
وبعد ساعتين، استيقظت وقررت أن أُشغل السّماعات الكبيرة التي أحضرها صديقٌ قبل أيام بمناسبة الكريسماس.. وخلال محاولتي التعلّم على الجهاز الجديد، اكتشفت أنه يحتوي على راديو أيضًا. فرحت (آه والله). وعندما وضعت "مود" الجهاز على الرّاديو، خرج للفور صوت أم كلثوم منه، يغنّي مقطع: "افتكرلي لحظة حلوة عشنا فيها للهوى".. أوقفت الجهاز، وقررت أن أحكي لك هذه القصّة، كي أطلب منك طلبًا، وذلك قبل أن أعود إلى النّوم من جديد.
عزيزي سانتا، احضر لي ذكريات جديدة مع الأغاني التي أحبّها.
شكرًا.

الأربعاء، 21 ديسمبر، 2016

بقلب حكاية

قبل أيام قليلة، التقيت بصديقة عرفتها عن طريق أصدقاء مشتركين. كان ذاك اللقاء هو الأوّل بيننا، ولظروف ما؛ اضطررت أن ألتقي بها لوقتٍ قصير، ما يقارب ساعة من الزّمن.
بعد يوم على اللقاء، أرسلت لها رسالة مفادها بأني سعيدة بمعرفتها وبأني أعتذر على ضيق الوقت، فأجابتني: "أحيانًا الواحد ما بحتاج إلا لحظة، ولوّ مختزلة ومختصرة، عشان يحس فيها إنّه بقلب حكاية".
#وهذا_جميل

البحر/ صابرين