التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عن أشياء تهمني

پاريس لا تهمني، بقدر ما يهمني أن أمشي في شوارع حيّ بلڤيل وأبحث عن الزوايا التي شربت إيديت بياف فيها زجاجة نبيذ أحمر وغنّت. أمستردام لا تهمني بقدر ما أشتاق للمرأة الغجريّة التي عزفت على الأكورديون عند أحد جسور المدينة، وحدثتني عن والدها الذي مات من السرطان. طنجة لا تهمني بقدر ما أحبّ أن أمشي خطوات ذكريات محمد شكري في "الخبز الحافي" وأشرب شاي ونعنع في مقهى الحافة. عمّان لا تهمني بقدر اللحظة التي لم تعجبني قهوة عمّان وأوقعتني المدينة سرًا في حبّها. القاهرة لا تهمني بقدر سعادة أمّي حين سمعتني أتحدث بمصريّتي المكسرة وشعرت بأنها عادت إلى أغنية من السبعينات. الإسكندريّة لا تهمني بقدر شوقي لكأس بيرة في بار الشيخ علي، أو لليلة التي حدثّت صديقة فيها عن حلمي بتأسيس خطوط قوارب من هناك إلى عكّا. بيروت لا تهمني بقدر ما أتحمّس لشجار مع صديقة حول كيف يجب أن تكون التبولة، مع بندورة أم بدون؟ رام الله لا تهمني بقدر ما أحنّ إلى ليالي 2011. برلين لا تهمني بقدر ما أشعر حين أجلس معه فيها، بأني في الشّام. وعكّا لا تهمني، مثلما كانت، عند كل مرة عدتُ إليها فيها، وكان والدي يستقبلني هناك.
آخر المشاركات

بيانو ولا قلبي؟

دخلت على العمارة، اللي ساكنة فيها مؤقتًا، عمارة بتشبه بنايات القاهرة بسنوات الخمسين. أوّل ما تفوت عليها، بتحس في قصص طالعة ونازلة على درج الخشب المغطى بسجّاد بني غامق. بعد ما تركتك، مشيت ع البيت ووصلت العمارة، كان في صوت بيانو مسموع بأوّل طابق، طلعت الدرج، والصّوت بيرتفع. وصلت البيت، دخلت غرفتي، المؤقتة أيضًا، وكأنّه بس فيها مسموع صوت عزف البيانو. إسّا أنا مش عارفة إذا هو صوت البيانو اللي لساته مسموع، ولا صوت قلبي. قلت الحل إنّي أسجّل الصّوت عشان أتأكد. بس وقف العزف. شفت؟ هيك تمامًا بصير لما تفكر بأسئلة ما إلها طعمة: بيانو ولا قلبي؟ مش مهم، المهم في موسيقى.

الطبخ والنّاس

بحبّ الطبخ كتير، بس بالعموم، بحبش أطبخ وآكل لحالي. بحس أكل الطبيخ، هو دايمًا فعل لأكثر من شخص واحد. الأكل الثنائيّ أو الجماعيّ عمومًا، هو من أكثر اللحظات اللي فيها سفر لأحاديث كثيرة. بايخة أو مهمّة. مش مهم. بس مرات، بضطر أطبخ لحالي، إنّه جاي عَ بالي كثير آكل أكل بيت، وقتها، بفكر بالشخص أو بالناس اللي جاي عَ بالي آكل معهن، وأحيانًا، بكفي التفكير فيهن واستحضارهن بشكل ما، عشان يطلع الطبيخ طيّب. إنّه بتخيّل وجوهن وهني عمّ بدوقوا الأكل، وشعورهن بالنعس بعد ما يعبوا بطونهن، ومرات تعليقاتهن الزنخة، ونكتهن اللي غالبًا بتضحّك حتّى لو بايخة، بس إنت عاملة حالك بتضحكي بس على نكت عميقة.

على كل حال، بصحّة الناس اللي بتدفي القلب، القريبة والبعيدة، وبالذات، الناس اللي مستحيل تدوق من أكلاتنا، مش لأنه بدهاش، لأنها مش هون.. بس روحها شمعة بتضوي قلوبنا بهالبرد. ראש הטופס

تمرين على الضحك

قبل منتصف الليل بشوي، وبالطريق للبيت، مشيت باتجاه محطّة المترو. بالمحطّة، في خطين، واحد تحت الأرض، والثاني فوقها. أنا لازم آخد اللي فوقها، بس أوّل باب بطريقي، بوصّل على المترو اللي تحتها. المهم، بلا طول سيرة، الجوّ شتا، والشتا بهالبلاد بحبّش ناسه. شفتوا مرة شتا بحبّش ناسه؟ ومش حنون كمان. قلت بفوت على المحطّة من الباب للمترو اللي تحت، أحسن ما أمشي بالبرد ويجمّد قلبي (عَ أساس إنه موّلع من الدفى هو). يلا ما علينا، نزلنا على المحطّة، وبكل المحطّة فش إلّا زلمة ختيار، عنده دقن وشعر شايبين، لابس أبيض من راسه لساسه، وبعمل شغلة وحدة: برفع راسه لفوق، وبضحك: ها ها ها! ضحكة مزيّفة، بسكت شوي، وبرجع بضحك. كانت حالته بتشبه سانتا كلاوس وهو بستنى المترو للغابة، عشان يلاقي الغزلان لينطلقوا، وهو قاعد بتمرّن!

المهم، فجأة لقيت مصعد قدامي، مكتوب عليه رقم المترو اللي لازم آخده للبيت. قلت لحالي: يا بت يا رشا، الساعة متأخرة والدنيا برد، وليش تمشي كل الطريق للمترو؟ خلص خدي المصعد وبتوصلي لهدفك من غير مجهود. وصدى ضحكات سانتا كلاوس اللي قاعد عمّ بتمرّن، بترّن بالخلفيّة.

إجا المصعد، كبست على زر الطابق الأوّل، وصل…

عن البرد

أن تعيشي في البرد،
أن تكرري جملة "الدنيا سقعة" بلهجات ولغات المدينة كلّها، كل يوم
أن تتعرّفي إلى أنواع ثياب جديدة، تُسمى بالدافئة.
الأوروبيون لا يعتقدون أن هنالك طقس بارد
إنما يجب ارتداء الثياب "الصحيحة".
أن تضيفي إلى انفصامك، أن البيوت هنا دافئة في البرد.
وأن الحياة في البرد، تمشي كالمعتاد؛
يذهب الطلاب إلى المدارس مع سقوط الثلج.
يلاحقني صدى أصوات الجيران البعيدة، تناديني من الشبابيك كي أعود إلى البيت، عندما سقطت الثلوج على مدينتي الساحليّة وأنا صغيرة.
أن تخترعي طرقًا للتدفئة، تظنين أن الناس هنا لم يفكروا بها من قبل، وأنها ستنجح معك:
الاستماع إلى أغاني جميلة مثلًا.
البحث عن حضن متوفّر مؤقتًا
البكاء، يُقال أن الدموع مفعولها دافئ.
والغضب على غيابك،
حرارة غضبي هذا، تدفء صقيع العالم.

أرشيف محادثة

في السّفر، وعندما أنسى أن أحمل كتابًا معي، أفتح شباك محادثتنا القديمة، تلك التي توقفت في زمنٍ ما. أعود إلى البداية، الرسالة الأولى التي رسمت وجه الكون، أقصد عالمنا نحن، ذاك الذي أكل عليه الدهر وشرب. حسنًا، أكل عليه دهرك وشربته، أنا لم أتجرأ أن أمحو المحادثات بكبسة "ديليت". أنتظر أن تحصل مصيبة مع التكنولوجيا، أوك هذا حدث بشريّ كبير، لا مع التكنولوجيا كلّها، إنّما مع هاتفي أنا الوحيد. المهم يا حبيبي، بالعودة إلى موضوع الكتاب وأرشيف محادثاتنا. أبدأ بقراءتها من سلامك الافتراضيّ الأوّل، أمرّ على المحادثة سطرًا بعد سطر، أعرف أين جلستُ عندما وصلتني رسالة منك تخبرني بأنك متعب. أو المكان الذي كنت أقف فيه وهبطت على السرير من حزني على خبر أن القطار فاتك يومًا ما. صراحة، لم أحزن على وقتك الضائع عندها، عرفت أنك ستفعل شيئًا تحبّه مع ذاك الوقت، تدندن أغنية مثلًا. لكني حزنت بأن انتظاري سيطول. المهم، أعود إلى الصّور، وتفاصيل أماكن كنتها ولم أكن معك فيها. أحاول أن أقرأ المحادثات من جديد بعيون محايدة. ها؟ هل قلتُ محايدة؟ أسمع صدى أصوات أصدقائي من مصر، يرددون مقولتهم الشهيرة: "محايدة دي ت…

بيوتنا اللي معنا

كنت كتبت عن هاد الشرشف (اللي بالصّورة) من شي سنة وشوي. هاد كان في بيت بحيفا، بشارع الجبل، نقلنا عليه أنا وأختي سنة 2015. وقتها لقينا أغراض كثير تاركينها صحاب البيت، منهن هالشرشف، الإشي الوحيد اللي خليته من أغراضهن. 
ليش؟ لأنّه حلو، ولأنّي فجأة لقيت إنه الماركة لسّه عليه، مكتوب عليها "دمشق - سورية". وقتها قررت وكتبت، إنّي رح أحمل هالشرشف معي وين ما أروح بالدّنيا. نقلته معي من هداك البيت اللي بشارع الجبل بحيفا، لبيت ثاني بشارع الحمير بحيفا، وبزيارتي الماضية لفلسطين، جبته معي لألمانيا. دفيت فيه تختي اللي ببرلين، وقررت أحمله معي لهاد الشّهر لشتوتغارت.

بتدوينة "دمشق في بيتي" اللي كتبتها في آذار/ مارس 2016، قلت: "رح أحمل هالشرشف معي.. زي ما بحمل كل المدن الجميلة، اللي زرتها واللي ممنوعة إني أزورها- بس بعرفها منيح، بقلبي.. والقلوب بيوت.".

اليوم، ومن خلال أصدقاء سوريّين وصديقات سوريّات ببرلين، قادرة كتير مرات أطلّ من خلالهن على دمشق، من قصصهن وذكرياتهن، مرات بروح رحلة لهناك، وكل مرة بحسّ إنّي بعرفها أكثر.

رح نضل نحمل بيوتنا معنا، لكل البيوت اللي جاي، هيك منضلنا دافيّ…